إعلان

من يقرأ الأحداث في رواية الحرب والسلم ، يدرك عظمة تولستوي

في عام 1812، كان نابليون في أوج مجده العسكري عندما اتخذ قراره بغزو روسيا. كانت سمعته تسبقه، وكانت انتصاراته تُضخم بشكل لا يتصوره العقل.

في روسيا، كان الوضع على أسوأ ما يكون. كان الجنرالات في صراع بينهم لدرجة أن كل واحد منهم يعترض على خطة الآخر حتى لا يُنسب له النصر في حال نجحت خطته. الكل يعترض على الكل ويخالف الأوامر عمداً حتى تفشل خطة خصمه، وبالتالي استمر تقدم نابليون.

الطبقة الغنية الروسية بدأت تغادر لمناطق آمنة خوفا على ثروتها، وجاهر البعض بأن أعلن أنه من المستحسن التفاوض مع نابليون والتوصل لاتفاق معه بأي شكل!

وهكذا يقترب ناببليون الى العاصمة دون صعوبة كبيرة. 

ولما بدأ القادة يشعرون أن الهزيمة قادمة لا محالة، وأن السقوط سيكون مدويا ونهائيا، بدأوا يبحثون عن "كبش فداء" يلصقون التهم وينسبون له كل الهزائم، كما هو الحال غالباً. وهكذا وقع اختيارهم على كوتوزوف.

كوتوزف، جنرال في الستين من العمر، مصاب برصاصتين في رأسه، يسهو وسط الإجتماعات لكبر سنه، يحب الهدوء والقراءة ، ويصفه الجميع بالجبان لأنه يفكر ألف مرة قبل إعطاء أوامره بالهجوم.

اعتمد كوتوزف في تحقيق انتصاره على عدة عوامل كان أبرزها: 

1- الصمود في وجه العدو وفق مبدأ " نحن نستطيع تحمل الخسائر أكثر مما تظن، ونحن نستطيع أن نلحق بك الخسائر أكثر مما تتوقع."، فكان التخطيط لمعركة بورودينو.
وفعلا حقق كوتوزوف ما أراد، فانتهت المعركة الدموية بخسائر فادحة في كلا الطرفين، إذ فقد الجيش الإمبراطوري الروسي، بحسب إحدى الروايات نحو 40 ألف جندي، و42 جنرالا بين قتيل وجريح، فيما قتل 30 ألف جندي فرنسي إضافة إلى 49 من كبار الضباط.
ونظر نابليون فإذا الجثث مكدسة فوق الجليد، ثلاثون ألف فرنسي، وستون ألف روسي تقريباً، وهو لم يكسب إلا الأرض القاحلة والطريق المقفرة إلى موسكو، وقد خسر، إضافة إلى الثلاثين ألف قتيل، ثلاثة وأربعين جنرالاً من خيرة قادته، منهم الكونت منبرون، والكونت كولانكور، ومائة وعشرة من الضباط، بين قتيل وجريح، من بينهم كمبير وبلوسون وماريون. وبينما كان الروس يستطيعون تعويض خسائرهم باستمرار، كان نابليون لا يستطيع بحال تعويض خسائره. ومن ثم يعد إخفاقه في إنزال الهزيمة الكاملة بالروس في بورودينو، عاملاً أساسياً في فشل حملته.

كتب نابليون في ذكرياته عن معركة بورودينو (رسالة): "من بين كل معاركي أشدها هولا تلك التي خضتها قرب موسكو. وقد أظهر الفرنسيون فيها أنهم أهل لإحراز النصر، ونال الروس الحق في أن يكونوا مظفرين يستحيل قهرهم. من بين 50 معركة خضتها أبدى الفرنسيون أكثر ما يكون من البسالة وأحرزوا أقل ما يكون من النجاح."

2-  الحفاظ على النبض المقاوم ... متمثلا في الجيش: 

بعد معركة بورودينو، ظل كوتوزوف يردد أن الروس انتصروا، رغم أنه اتخذ القرار المفاجئ والمستغرب بالإنسحاب وعدم الدفاع عن العاصمة. 
أدرك كوتوزوف أن الدفاع عن العاصمة يعني القتال حتى الموت وهلاك الجيش الروسي. ففضل الإنسحاب والحفاظ على الجيش بدلا من إدخاله في معركة غير متكافئة محسومة مسبقا. 
استفاد المخططون بعد ذلك من قرار كوتوزوف في إدراك أن المهم أن تحافظ على الذات، وأن خسارة الأرض مؤقتا لا يعني خسارتك الأبدية. الخسارة الحقيقية هي خسارة الأرواح. 
وهكذا، خسر الروس موسكو لكنهم لم يخسروا جيشهم. 

3- الإيمان بالروح الوطنية لدى الروس:
استمر كوتوزوف بالإيمان بأبناء بلده، وكان ينظر للجيش على أنه أعظم من نابليون وجيشه، وأن ما يعيبه القيادة فقط، كذلك فقد آمن كوتوزوف بالشعب وسمح بحرب العصابات.
وهكذا، نشأ لدينا نوع غريب من الوطنية؛ حيث اعتبر كل فرد أن المعركة معركته. بدأ الفلاحون بمهاجمة القطعات العسكرية الفرنسية واستنزافها. وبدأ بعض أفراد الجيش بتنفيذ غارات صغيرة هنا وهناك. واستمر كوتوزوف في قول "لا" في وجه أي خطة تدعو لمواجهة شاملة وحرب نظامية مع الفرنسيين. 

4- لا لمصافحة المحتل: 
عندما ساءت أمور الفرنسيين، وفشل نابليون في إيجاد "مندوبون" و" حكومة انتقالية " تتسلم زمام الأمور، وتكون عوناً للفرنسيين، وعندما لجأ الشعب الروسي لإحراق العاصمة موسكو حتى لا تستقر أمور الفرنسيين فيها، لجأ نابليون لحيلة السلام وأرسل رسله لكوتوزوف يعرض الصلح، وهو يعرف أن الموقف الروسي ليس بأفضل أحواله. وكان القرار التاريخي بعدم التعاطي مع نابليون وعدم نقل رسائله ورفض الإتفاقيات رفضاً تاماً. 
"لا مصافحة لمحتل تطأ أقدام جنوده وطني." 
وسجل التاريخ هذا الموقف لكوتوزوف، رغم كل الأصوات المؤيدة للسلام آنذاك.

5- نعم لرفع الروح المعنوية حتى في أحلك الظروف:
ظل كوتوزوف يردد أن الجيش الفرنسي يذوب، وأنكم بطول صبركم تحققون النصر، أنتم لديكم الأرض والجذور وكل المحيط يحارب معكم. أما هم، فإمداداتهم ليست دائمة وعرضة للزوال يوماً بعد يوم.

من يقرأ الأحداث في رواية الحرب والسلم ، يدرك عظمة تولستوي عندما يقص. كذلك فإنه يدرك كم هو ممتع أن يقوم فيلسوف عظيم بتحليل دروس التاريخ. وفيها أيضًا من الدروس ما يجعل عقلك يربط بين هذا الحدث وحدث آخر في مكان ما. 


شارك الموضوع
تعليقات